القرآن الكريم
أُنزلت عليه
لقيه فيها النبي ﷺ
في تاريخ البشر
إدريس عليه السلام هو ثالث الأنبياء بعد آدم وشيث، وهو من سلالة شيث بن آدم. بُعث إلى ذرية قابيل الذين انحرفوا عن دين الله، وكان هدفه إعادتهم إلى التوحيد وإصلاح فسادهم.
يُشير ابن منظور في "لسان العرب" عند مادة (د ر س) إلى أن كثيراً من العلماء يربطون اسم إدريس بـالدراسة وكثرة النظر في الكتب. وهذا الربط ليس مجرد توافق لغوي — فإدريس هو النبي الذي تُنسب إليه ريادة كل علم مكتوب. الاسم وصف، والوصف سيرة.
ما يجعل إدريس عليه السلام فريداً بين الأنبياء أنه لم يكن فقط نبي دين، بل كان نبي علم وحضارة. يُورد ابن كثير في "قصص الأنبياء" جملة من الأوليات التي تُنسب إليه:
قبل إدريس كانت المعرفة تنتقل شفهياً فقط. إدريس هو من علّم البشر أن يُحوّلوا الفكر إلى كلمة مكتوبة. وبهذا الاختراع الواحد، أصبح التراكم المعرفي ممكناً — كل علم كُتب في التاريخ يعود في جذره إلى هذه اللحظة.
قبل إدريس كان الناس يتلحفون بجلود الحيوانات كاملة. إدريس هو من علّم البشر خياطة الثياب. وهذا التحول الظاهري البسيط كان في حقيقته ثورة حضارية كاملة: بدأت معه الحرفة، والتخصص، وتبادل الخدمات، وبذلك بدأت ملامح المجتمع المُنظَّم.
يُفصّل ابن القِفطي في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" كيف كان إدريس أول من رصد حركة الكواكب، ووضع أسس الحساب الفلكي. وكانت هذه العلوم وحياً من الله، لا اكتشافاً بشرياً — وهنا تكمن عظمتها: العلم بدأ بالوحي.
يذكر ابن كثير أن إدريس أول من صنع آلات الحرب والسلاح لصد المعتدين وحماية المستضعفين. ليس تمجيداً للعنف، بل ترسيخاً لمبدأ أن قوة الحق لا تُستقيم بغير قوة مادية تحميها.
أنزل الله على إدريس ثلاثين صحيفة، وهي أول تشريع منهجي متكامل في التاريخ بعد صحف شيث. وكانت هذه الصحف تجمع بين التشريع الديني والمعرفة العلمية، مما جعل إدريس النبي الوحيد الذي تلتقي في رسالته الدعوة والعلم في مصدر واحد: الوحي الإلهي.
الجواب يكمن في فهم طبيعة المرحلة التي عاشها إدريس. كانت البشرية في بداياتها المعرفية — تحتاج في آنٍ واحد إلى عقيدة تضبط روحها وإلى علم ينظم حياتها المادية. فجاء الوحي جامعاً للأمرين، ليُرسّخ مبدأً عظيماً: العلم الحقيقي لا يتعارض مع الدين، بل ينبثق منه.
لعل أكثر ما يشغل الأذهان في قصة إدريس هو قول الله تعالى: "ورفعناه مكاناً علياً". فما المقصود بهذا الرفع؟ وقفٌ طويل يستحقه هذا السؤال:
يرى أكثر المفسرين أن إدريس رُفع إلى السماء حياً، وهو موجود فيها حتى الآن. ويستدلون بحديث الإسراء والمعراج حين قال جبريل للنبي ﷺ عند السماء الرابعة: "هذا إدريس" — وهو ما يؤكد وجوده في السماء بجسده.
يرى فريق من العلماء أن الرفع كان رفع منزلة ومكانة عند الله، كما قال الله عن إدريس إنه "صديق نبي" — وهذان لقبان من أعلى ألقاب التشريف. وقد ناقش عبد الوهاب النجار هذا الرأي بأسلوب نقدي رصين.
يُلاحظ المتأمل أن الله لم يقل "رُفع روحه" بل قال "رفعناه" — والضمير يعود على إدريس كله. وهذا يُرجّح القول الأول. كما أن حديث الإسراء يذكر أن النبي ﷺ سلّم عليه وردّ إدريس السلام — وهذا يستلزم وجوداً حياً. ويبقى الله أعلم بحقيقة هذا الرفع العظيم.
في ليلة الإسراء والمعراج، صعد النبي محمد ﷺ عبر السماوات السبع. وفي السماء الرابعة كان الموعد:
وفي هذا المشهد رسالة عميقة: إدريس الذي وضع أسس الكتابة والعلم والحضارة على الأرض — يستقبل خاتم الأنبياء في السماء. كأن الدائرة اكتملت: الأول يلتقي بالأخير، والبداية تُصافح النهاية.
الأمر اللافت أن شخصية تُشبه وصف إدريس ظهرت في حضارات متعددة لم تتواصل مع بعضها — مما يدل على أن أصلها واحد:
في الحضارة المصرية القديمة: يرى كثير من الباحثين أن هرمس الهرامسة أو "تحوت" المصري — إله الكتابة والحكمة — هو صدى حضاري لشخصية إدريس. وقد فصّل في هذا ابن القِفطي في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء".
في الحضارة البابلية: يذكر المسعودي في "مروج الذهب" أن الحكيم الأول الذي أسّس المدن وعلّم الكتابة في الأساطير البابلية يُشبه في صفاته وصف إدريس إلى حد بعيد.
في التراث اليهودي: شخصية "خنوخ" في التوراة — الذي "سار مع الله فلم يوجد" — تُماثل قصة إدريس في رفعه من الأرض بلا موت.
الراجح عند أكثر العلماء أنه رُفع إلى السماء حياً، استناداً لحديث الإسراء والمعراج الذي يُثبت وجوده في السماء الرابعة حيث سلّم عليه النبي ﷺ وردّ السلام. أما كيفية هذا الرفع ونهايته فعلمها عند الله.
ذُكر إدريس في موضعين: سورة مريم (الآيتان 56-57) حيث وصفه الله بأنه "صديق نبي" ورفعه مكاناً علياً. وسورة الأنبياء (الآية 85) حيث ذُكر مع ذي الكفل ضمن الصابرين.
يرى كثير من علماء التاريخ الإسلامي أن هرمس الهرامسة في التراث اليوناني والمصري هو الاسم الذي أُطلق على إدريس عليه السلام في الحضارات التي فقدت اسمه الحقيقي لكن احتفظت بصفاته. وقد فصّل في هذا ابن القِفطي في كتابه "إخبار العلماء بأخبار الحكماء".
أُنزل على إدريس ثلاثون صحيفة، وذلك استناداً لحديث أبي ذر رضي الله عنه المروي في مسند أحمد وغيره، والذي يُعدد الصحف المنزلة على الأنبياء ومنها صحف إدريس.
- العلم والدين ليسا ضدين: إدريس تلقى علوم الكتابة والفلك والطب وحياً من الله — العلم الحقيقي ينبثق من الإيمان لا يتعارض معه
- الحضارة تبدأ بالكلمة المكتوبة: أول ما علّمه الله لإدريس هو الكتابة — لأن المعرفة التي لا تُكتب تموت بموت صاحبها
- الصديقية قبل النبوة: وصفه الله بـ"صديق" قبل "نبي" — الصدق مع النفس والله هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء
- الرفع يأتي بعد العطاء: أعطى إدريس البشرية علومها وحضارتها ثم رُفع — من أعطى للناس رفعه الله
- أثر المؤمن لا يموت: مرّ آلاف السنين على إدريس لكن أثره باقٍ في كل كلمة مكتوبة وكل ثوب مخيط — الأعمال الصالحة تبقى بعد أصحابها
اللهم كما رفعت إدريس مكاناً علياً بصدقه وعلمه وعبادته، ارفعنا بطاعتك، وانفعنا بما علّمتنا، واجعل علمنا حجةً لنا لا علينا.
- قصص الأنبياء — الحافظ ابن كثير
- تاريخ الرسل والملوك — الإمام الطبري
- إخبار العلماء بأخبار الحكماء — ابن القِفطي
- عيون الأنباء في طبقات الأطباء — ابن أبي أصيبعة
- لسان العرب — ابن منظور
- قصص الأنبياء — عبد الوهاب النجار
- مروج الذهب ومعادن الجوهر — المسعودي
0 تعليقات