ذُكر في القرآن
وردت فيها قصته
أُعطيها
مناجاة على الطور
الولادة في زمن القتل
يربط د. رشدي البدراوي في "موسى وهارون في التوراة والقرآن" بين قصة موسى والاكتشافات الأثرية، ويُرجّح كثير من الباحثين أن فرعون الخروج هو رمسيس الثاني أو سلفه سيتي الأول. وكانت مصر في هذه الحقبة في ذروة قوتها — إمبراطورية تمتد من السودان إلى سوريا، وبنو إسرائيل فيها عبيد يبنون المدن.
أصدر فرعون أمره بذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل خشيةً من نبوءة أخبرته أن مولوداً منهم سيُزيل ملكه. وفي هذا الجو الدموي وُلد موسى. فأوحى الله إلى أمه بما هو أغرب أمر في التاريخ:
يقف د. فاضل السامرائي في "بلاغة القصة القرآنية" مطولاً عند هذه الآية: فيها أربعة أوامر "أرضعيه، ألقيه، لا تخافي، لا تحزني" ووعدان عظيمان "رادّوه إليك، جاعلوه من المرسلين". والله سبحانه جمع في جملة واحدة أمراً بالتخلي وضماناً بالعودة — وهذا هو قمة البلاغة الإلهية.
ألقت الأم رضيعها في النيل داخل تابوت، وتبعته أخته عن بُعد ترقبه. فجرى التابوت حتى وصل إلى... قصر فرعون نفسه! وهنا تبدأ أعجب قصة في التاريخ: العدو يُربي من جاء ليُنهي عرشه.
النشأة في قصر فرعون — الفنون والاختبارات
رأت امرأة فرعون التابوت فرقّ قلبها للطفل وقالت لفرعون: "قرّت عين لي ولك لا تقتلوه". وهكذا نشأ موسى في قصر فرعون — يأكل من طعامه، وينام في سريره، ويُربَّى على يد من يطلب دمه.
رفض موسى الرضاعة من أي مرضعة في القصر. فجاءت أخته في اللحظة المناسبة وقالت: "هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه؟" فعادت أمه إليه مرضعةً في القصر نفسه — وفرعون يدفع أجرها! وهذا من عجائب تدبير الله الذي يُخزي الظالم بيده دون أن يشعر.
يصف ابن كثير في "قصص الأنبياء" ما سماه "الفتون" — وهي الاختبارات المتتالية التي مرّ بها موسى منذ صغره. ومن أشهرها: حين وضع طفلاً لحيةَ فرعون فهمّ بقتله، فقيل إنه طفل لا يعقل. فوُضع بين يديه جمر وياقوت، فمدّ يده نحو الجمر ووضعه في فيه — وبه تعقّدت لسانه فكان في كلامه ثقل.
درس في الغربة والتكوين
حين بلغ موسى أشده، خرج يوماً فرأى رجلاً من بني إسرائيل يستغيث بمصري يظلمه، فتدخّل موسى فقتل المصري خطأً. وحين علم أن الأمر ظهر فرّ من مصر خائفاً وحيداً نحو مدين.
يُحدد سامي المغلوث في "أطلس تاريخ الأنبياء" أن موسى سلك طريقاً يمتد من دلتا النيل عبر سيناء إلى منطقة مدين في شمال غرب الجزيرة العربية — وهي رحلة تزيد على 500 كيلومتر سيرها وحيداً خائفاً جائعاً. وتقع مدين اليوم في منطقة تبوك بالمملكة العربية السعودية.
وصل موسى إلى بئر مدين فرأى رجالاً يسقون، وامرأتين تنتظران بعيداً. فسقى لهما دون أن يطلبا، ثم تولّى إلى الظل وقال كلمة تكشف عن نفسية إنسان بلغ به الإنهاك أقصاه:
يحلل ابن عاشور هذه الآية قائلاً: موسى لم يطلب شيئاً بعينه — لم يقل أطعمني أو آوني. بل قال "فقير" أي محتاج لكل شيء. وهذا أعلى درجات التوكل: أن تعترف لله باحتياجك المطلق دون أن تُحدد طلباتك، لأن الله يعلم ما تحتاج أكثر مما تعلم أنت.
جاءته إحدى الفتاتين تدعوه، فأقام عند أبيهما "شعيب" عشر سنوات مقابل أن يعمل راعياً. وكانت هذه السنوات العشر مدرسة الصبر والتواضع والتأمل — أمضاها نبي الله بعيداً عن الأضواء يرعى الغنم.
النداء الإلهي
بعد انتهاء المدة، توجّه موسى بأهله نحو مصر. وفي منتصف الطريق، في ليلة باردة مظلمة في سيناء، رأى ناراً من بعيد فقال لأهله: "امكثوا إني آنست ناراً". ذهب ليأتي بجذوة من النار فكانت نقطة التحول الكبرى:
يُفصّل ابن عاشور في هذه الجزئية: خلع النعلين في الأرض المقدسة تعبير عن التخلص من ثقل الدنيا والوقوف بين يدي الله بروح مجردة. وفيه إشارة إلى أن هذا الوادي من القداسة بمكان لا تطأه نعل، كما أن فيه استعداداً نفسياً للمناجاة — فالمرء حين يخلع نعليه يكون أكثر تواضعاً وحضوراً.
ثم أعطاه الله معجزتين: العصا التي تتحول إلى ثعبان، واليد البيضاء التي تُضيء كالشمس. وأرسله إلى فرعون الذي رباه!
مواجهة فرعون
ذهب موسى وأخوه هارون إلى فرعون بأمر الله، وكانت الرسالة واضحة: أطلق بني إسرائيل. والمدهش في هذه المواجهة أن الله علّمهما أسلوب الخطاب:
رفض فرعون وتكبّر، وجمع سحرته من كل مكان لمواجهة موسى. وكان يوم المواجهة أمام الناس يوم عيد حتى يكون الجمهور شاهداً على ما ظنّه انتصاراً. فألقى السحرة حبالهم وعصيّهم فخُيّل إلى الناس أنها تسعى. ثم ألقى موسى عصاه:
ابتلعت عصا موسى كل ما ألقى السحرة. وكان رد فعل السحرة أعظم مشهد في القصة: خرّوا ساجدين! لأنهم أهل اختصاص يعرفون أن ما رأوه ليس سحراً — السحر يُخيَّل، أما ما فعلته العصا فكان حقيقة لا تشبه السحر في شيء.
الآيات التسع
في كل مرة رفض فرعون الاستجابة، أرسل الله آية جديدة. يصفها الطبري في "جامع البيان" بتفصيل موسّع:
فاضت النيل وغرقت الزروع والبيوت. فلما رفعه الله أبوا وعادوا إلى الكفر.
غطّى الجراد الأرض وأتى على المزروعات. نفس الموقف: توسّلوا لموسى، فلما رُفع أبوا.
آيات متتالية، وكل مرة نفس الدورة: الضراعة والتوسل ثم العودة للكفر. يصفها القرطبي بأنها "دورة العناد" التي لا ينتهي منها المتكبر.
شق البحر
أذن الله لموسى بالخروج ببني إسرائيل ليلاً. فلما أحسّ فرعون بالخروج أرسل في المدائن حاشرين وجمع جيشه. وأدرك فرعون موسى وبني إسرائيل عند البحر. فقال أصحاب موسى: "إنا لمُدركون!" فجاء رد موسى في أشد لحظات اليأس:
انفلق البحر اثني عشر طريقاً لاثني عشر سبطاً، وكان الماء على جانبيهم كالجبال العظيمة. ودخل فرعون بجيشه يتبعهم فأُغرق. وكان آخر ما قاله فرعون وهو يغرق:
جاء رد الله فوراً: الآن تؤمن وقد عصيت؟ ثم قال الله: "فاليوم نُنجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية". يرى كثير من العلماء أن هذه الآية تُشير إلى أن جسد فرعون حُفظ — وهو ما قد يُفسّر المومياوات الفرعونية المحفوظة حتى اليوم في المتاحف المصرية.
الدروي والعبر
- تدبير الله فوق كل تدبير: فرعون أراد قتل موسى فربّاه في بيته — لا يوجد مخطط بشري يستطيع مواجهة تدبير الله
- سنوات الخمول تصنع العظماء: عشر سنوات في مدين راعياً للغنم — الله يُعدّ أنبياءه في الخفاء قبل أن يُظهرهم
- القول اللين أبلغ من الصراخ: أمر الله موسى بمخاطبة فرعون بالليّن — لأن الكلمة الطيبة تصنع ما لا تصنعه القسوة
- "إن معي ربي" — يقين لا أمل: الفرق بين المؤمن الحقيقي وغيره أنه يقول "معي ربي" لا "أتمنى أن يساعدني ربي"
- الإيمان وقت الغرق لا ينفع: آمن فرعون حين أدركه الغرق فلم يُقبل — التوبة لها وقتها، والباب مفتوح قبل النهاية
- الأمة تُصنع بالصبر لا بالسرعة: أربعون سنة في التيه لتتربى أجيال جديدة — بناء الأمم يحتاج وقتاً وصبراً وجيلاً يستحق الأرض
اللهم كما كلّمت موسى وأيّدته وجعلت البحر طريقاً لنجاته، اجعل لنا من كل ضيق مخرجاً، ومن كل بحر يقف أمامنا طريقاً للنجاة بإذنك.
- قصص الأنبياء — الحافظ ابن كثير
- جامع البيان في تفسير القرآن — الإمام الطبري
- موسى وهارون في التوراة والقرآن — د. رشدي البدراوي
- في ظلال القرآن — سيد قطب
- التحرير والتنوير — الطاهر بن عاشور
- بلاغة القصة القرآنية — د. فاضل السامرائي
- أطلس تاريخ الأنبياء والرسل — سامي المغلوث
- الموسوعة التاريخية الميسرة — أحمد معمور العسيري
0 تعليقات