أُنزلت عليه
عمره المبارك
في عهده
على آدم
بعد أن قتل قابيل أخاه هابيل، دخل آدم عليه السلام حزناً عميقاً لم يعرف له نظير. فرزقه الله بمولود جديد كان عزاءً للبشرية كلها. واسمه يحمل معناه في طياته:
"شيث" كلمة عبرية الأصل معناها هبة الله، وقيل معناها "العوض". وقد سمّاه آدم بهذا الاسم لأنه جاء عوضاً عن هابيل الذي قُتل ظلماً. يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" إن آدم قال حين وُلد شيث: "وهبه الله لي بدلاً من هابيل". وفي تسميته رسالة لكل مؤمن: ما أُخذ منك قد يُعوَّض بما هو أعظم.
يصفه الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" بأنه كان أشبه الناس بأبيه آدم خَلقاً وخُلقاً، وأن آدم أحبّه حباً لم يحبّه لأحد من أبنائه، وخصّه بوصيته وعلّمه ما علمه الله من أسماء الأشياء وشرائع الدين.
من أعظم ما يُميّز شيث عليه السلام أن الله أنزل عليه خمسين صحيفة، وهي بذلك أكبر عدد من الصحف نُزّل على نبي واحد في التاريخ. وهذا الرقم ورد في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند ابن حبان وغيره.
يُبيّن البيهقي في "شعب الإيمان" أن صحف الأنبياء الأوائل كانت تحتوي على أصول العقيدة والأخلاق وأحكام المعاملات بين الناس. وكانت صحف شيث بالتحديد تُرسّخ مفهوم العبادة لله وحده بعد أن بدأ بعض الناس يميلون إلى تعظيم الصالحين الموتى — وهو البذرة الأولى للشرك التي ستظهر لاحقاً في عهد نوح.
وبهذا يكون شيث عليه السلام أول مشرّع في التاريخ البشري بعد أبيه آدم. وقد أرسى بصحفه أسس الحياة المنظّمة: كيف تُقام العبادة، وكيف تُدار العلاقات، وما الحدود بين الحلال والحرام.
حين أدرك آدم عليه السلام نهاية حياته، لم يوصِ بابنه قابيل القاتل، ولا بأحد من كبار أبنائه. بل خصّ شيثاً بوصيته كاملة. يروي ابن كثير في "البداية والنهاية" أن آدم قال لشيث:
وهذه الوصية تكشف عن بُعد نظر آدم: لم يوصِ بالمال أو الملك، بل أوصى بـالوقت والعبادة وحفظ النسل الصالح. وكأنه يُعلّم أن الثروة الحقيقية هي الارتباط بالله والحفاظ على الجيل القادم.
في عهد شيث عليه السلام ظهر أول انقسام اجتماعي منظّم في تاريخ البشر. يُفصّل ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" هذا الانقسام الذي سيُشكّل ملامح الصراع البشري إلى آخر الزمان:
سكن أبناء شيث الجبال المرتفعة، وعاشوا في عفاف وتقوى، يُقيمون الصلاة ويتعبدون لله. ووصفهم المؤرخون بأنهم كانوا في غاية الجمال والقوة والأخلاق، حتى قيل إن الملائكة كانت تنزل فيهم أو تُجاورهم.
نزل أبناء قابيل السهول والوديان، وانغمسوا في الملذات. وكانوا أهل موسيقى وزينة وفساد. ويذكر المسعودي في "أخبار الزمان" أنهم أول من اخترع آلات الطرب وأشاعوا الفاحشة.
يروي ابن كثير أن أبناء شيث بدأوا يتراخون في وصية أبيهم وينزلون إلى السهول للاختلاط بنسل قابيل. فتزوّج بعضهم من بناتهم الحسناء. فكان هذا الاختلاط بداية انهيار الحضارة الأولى، وأدى تدريجياً إلى انتشار الفساد الذي استوجب في النهاية إرسال نوح عليه السلام بالطوفان.
تُشير روايات عند الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" إلى أن شيث عليه السلام كان من أوائل من عمّر البيت الحرام بعد أبيه آدم. وكان آدم قد بنى البيت أول مرة، فلما مات أعاد شيث البناء وحافظ على قدسية الموضع.
يُلاحظ عبد الوهاب النجار في "قصص الأنبياء" أن كثيراً مما يُروى عن شيث يحتاج إلى تمحيص دقيق، لأن هذه المرحلة من تاريخ البشرية مليئة بالإسرائيليات والروايات غير الموثّقة. لذلك ينبغي للقارئ أن يأخذ ما صحّ سنده ويتوقف عند ما لم يصح.
الثابت بالسنة الصحيحة: أن شيثاً نبي، وأن الله أنزل عليه خمسين صحيفة.
الثابت بروايات المؤرخين: أنه وصيّ آدم، وأن عمره بلغ 912 سنة.
مما يُروى ويحتاج تمحيصاً: التفاصيل الوصفية لشكله، وتفاصيل بناء الكعبة، وبعض أخبار الصراع مع نسل قابيل.
- كل مصيبة تحمل هبة: وُلد شيث بعد مقتل هابيل — الله لا يُغلق باباً إلا ويفتح أبواباً
- الوصية الحقيقية ليست المال: أوصى آدم شيثاً بالوقت والعبادة وحفظ الجيل — هذه هي الثروة الحقيقية
- الصحبة تصنع المصير: اختلاط نسل شيث بنسل قابيل كان بداية الفساد — البيئة المحيطة تُشكّل الإنسان شئنا أم أبينا
- التشريع ضرورة وليس قيداً: الصحف الخمسون جاءت لتُنظّم الحياة — الإنسان بدون شريعة يعود إلى الفوضى
- الأنبياء المجهولون لا يعني أنهم أقل: شيث لم يُذكر في القرآن لكنه حمل أعظم الأمانات — كثير من العظماء لا يعرفهم الناس
- حفظ الهوية فريضة: حين تخلّى نسل شيث عن هويتهم وانصهروا في الفساد، انتهت حضارتهم — الانصهار الأعمى موتٌ بطيء
اللهم كما جعلت شيثاً هبةً للبشرية بعد مصيبتها، اجعلنا ممن يحملون أمانة دينك ويُورثونها لأبنائهم جيلاً بعد جيل.
- البداية والنهاية — الحافظ ابن كثير
- تاريخ الرسل والملوك — الإمام الطبري
- الكامل في التاريخ — ابن الأثير
- شعب الإيمان — البيهقي
- أخبار الزمان — المسعودي
- عرائس المجالس — الثعلبي
- قصص الأنبياء — عبد الوهاب النجار
0 تعليقات